الدوري المصريمقالات

مصطفى الجارحي يكتب: كارتيرون.. ما هكذا يكتب المدربون سيرتهم الذاتية

لأول مرة نرى مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك، هادئًا في حواره مع مجلس الإدارة، ومع باتريس كارتيرون ومترجمه، ثم مع لاعبي الفريق وهو يبلغهم برحيل المدرب الفرنسي ويشد من أزرهم ويحمسهم للمرحلة المقبلة.

وفي خلطة من الحزن والذهول وعدم التصديق؛ بدا مرتضى منصور خفيض الصوت، على غير العادة، وهو يشرح لمجلس إدارة الزمالك (الذي نراه مجتمعًا لأول مرة) ملابسات طلب كارتيرون بفسخ التعاقد.

كان التوثيق بالصوت والصورة أسلوبًا انتهجه مرتضى ليحيط جمهور الزمالك بكل تفاصيل الأزمة، لكن الأمر لا يخلو من بعض الأكاذيب البيضاء، خاصة فيما يتعلق بأن المدرب الفرنسي أتي بحقيبة بها 250 ألف دولار (كاش)، تمثل الشرط الجزائي عن راتب شهرين كاملين، وأن الإدارة المالية تسلمت المبلغ، بينما لم يترك كارتيرون سوى شيك بـ 42 ألف دولار هي كل ما عليه للزمالك!

حاول مرتضى تصدير الأزمة بوصفها مفاجئة، وبلا سبب، لكنها بالتأكيد لم تكن كذلك، وربما هو لأول مرة كان آخر من يعلم.. فمن غير المعقول أن يتم التعاقد بين مدرب وأي نادٍ في العالم من دون تمهيد واتصالات وإيميلات وحوارات وجلسات سرّية، أو علنية، ودفعة تعاقد وما إلى ذلك.. وهو ما يؤكد من جانب أن كارتيرون كما يقول رجال القانون عقد العزم وبيّت النيّة على الرحيل، ومن جانب آخر أن كل عيون الزملكاوية (من مجلس إدارة وكتائب إلكترونية وجواسيس) كانت مطمئنة وفي بطنها بطيخة صيفي إلى أن الرجل باقٍ على الأقل حتى انتهاء المشوار الأفريقي.

كارتيرون مع الزمالك

ولا يخفى على أحد، كما لا ينكر حاقد أو جاحد، أن كارتيرون مدرب مهم بالنسبة للزمالك، خاصة أنه تسلّم الفريق، وعمد إلى تأهيله بدنيًا وذهنيًا وفنيًا، والأهم أنه تعرف على الأكواد النفسية للاعبين واشتغل عليها وأزال الصدأ والتراب عن أهم مفاتيح اللعب، ومن ثم ظهر الفريق بصورة تليق بالنادي العريق، وحصد في أسبوع واحد بطولتي سوبر أفريقي على حساب الترجي التونسي (3ـ1)، وسوبر محلي على حساب الأهلي بضربات الجزاء الترجيحية، ومؤخرًا ضرب الأهلي بثلاثية مقابل هدف في الدوري.

كما لا يخفى على أحد أن الرجل صاحب خبرة كبيرة ونادرة على المستوى الأفريقي، ففي أول تجربة أفريقية له حصد مع منتخب مالي المركز الثالث في بطولة الأمم الأفريقية 2012، وفي 2015 حصد مع مازيمبي الكونغولي لقب دوري أبطال أفريقيا، وفي 2018 خسر مع الأهلي نهائي دوري الأبطال أمام الترجي التونسي، وفي 2019 حقق مع الرجاء البيضاوي كأس السوبر الأفريقي على حساب الترجي الذي كان يدربه.

هي مسيرة تصاعدية لا يختلف عليها اثنان، حتى أن المقربين منه يزعمون بالفم المليان أنه يعرف أدق تفاصيل الفرق الأفريقية حتى بأسماء اللاعبين ومميزاتهم وعيوبهم.

لكن الزمالك لم يستفد من كارتيرون على المستوى المحلي، فهو مثل غيره حافظ للفريق على المركز الثاني، بعد أن لعب 27 مباراة فاز في 16 فقط وتعادل في 7 وخسر في 4، لكنه حافظ على فرصة الفريق في المشاركة بدوري أبطال أفريقيا، متجاوزًا صراع المركز الثالث بين بيراميدز والمقاولون العرب.

هكذا يبدو باتريس كارتيرون ناجحًا أفريقيًا، وساقطًا بالثُلث محليًا، إذ من غير المعقول أن نتحدث عن الزمالك العريق، ويذهب البعض إلى وصفه بأنه أحد قطبي الكرة المصرية، مع الأهلي، في حين أن غالبية الأجيال الجديدة من مشجعيه لا تعرف طعم الفوز بالبطولة الأهم التي هي الدوري.

وللذاكرة فقط نقول إن آخر بطولة دوري حصدها الزمالك كانت في موسم 2014، أي منذ 6 سنوات، وجاءت بعد صيام 10 سنوات كاملة، لأن البطولة التي قبلها كانت في 2004، هذا يعني باختصار أن مشجعي الأبيض من مواليد 2000 مثلاً جزء كبير منهم واكب البطولة ولم يدركها، والجزء الآخر أدركها فعاش فرحة البطولة مرة واحدة في 20 سنة!

كل ذلك يعني أن ناديًا بهذه الإمكانيات والعراقة بحاجة إلى مدرب عالمي كبير وقدير، لا يتدخل أحد في عمله مع فريق الكرة، وساعتها فقط تفرح المنظومة الكروية من لاعبين وجهاز فني وإداري ومجلس إدارة وجماهير بحصد اللقب العزيز.

أما فكرة أن الفريق يقتنص كأس السوبر المحلي أو الكونفدرالية أو السوبر الأفريقي أو حتى الفوز على الأهلي (ملحوظة: الأهلي فاز 45 مرة مقابل 27 للزمالك في الدوري) حتى هذه الفكرة لم تعد تروي ظمأ الجماهير المتعطشة لبطولة بحجم الدوري المصري أو دوري الأبطال الأفريقي.

ربما يرى البعض أننا ابتعدنا عن الموضوع الأساسي، لكنني أطمئنهم بأننا في صُلب الحكاية.. والحكاية تقول إن أندية كثيرة تجرب حظوظها مع أكثر من مدرب، وأن مدربين كثيرين لم يستكملوا مهمتهم، سواء بالاستقالة والتراضي، أو بالإقالة ودفع الشرط الجزائي، أو بالهروب والقضايا.. والحكاية مع المدربين بالتأكيد تتكرر أكثر مع اللاعبين.. ما دمنا في سوق الاحتراف الخاضع للعرض والطلب.. لكن حتى في سوق الاحتراف هذا من المهم الحفاظ على السمعة بالنسبة للنادي والمدرب واللاعب.

والحقيقة أن الزمالك دائمًا (ملطوط) لدى الفيفا في سمعته مع لاعبين ومدربين، لكن في الأزمة الأخيرة يبدو مرتضى منصور بريء تمامًا، وبعيد كليًا عن اتهامه بتطفيش كارتيرون.

الزمالك قدم للمدرب الفرنسي كل ما يحتاج إليه: جدد تعاقده في وقت عصيب لا يجوز فيه التجديد أصلاً، خاصة أن أحدًا لم يكن يعرف هل الدوري سيُستكمل أم لا بسبب كورونا.. حقق رغبات المدرب واستقدم له كتيبة من اللاعبين المهرة.. فتح له قطاع الناشئين كاملاً.. منحه راتبه ومكافآته دون تأخير.. والأهم من كل ذلك أنه لم يتدخل في عمله.

ورغم كل ذلك كتب المدرب الفرنسي بيده النهاية الدراماتيكية، مفضلاً (وهذا حقه) جوال الدولارات، ضاربًا بمستقبله وبسمعته، فيما ترسخ لدى الجميع اعتقاد بأنه بهذه الطريقة لن يكمل مشواره مع التعاون السعودي، وسيهرب أو تتم إقالته سريعًا، لاسيما أن الدوري السعودي بمثابة معركة حقيقية لتكسير العظام، ويكفي أن نذكر أندية الهلال والنصر وأهلي جدة والوحدة والفيصلي، بل يكفي أن التعاون حل في المركز الـ 12 من 16 فريقًا في النسخة المنتهية.

أي أن باتريس كارتيرون ترك المجد مع الزمالك وهو على بعد أمتار قليلة من بطولات غالية.. فالزمالك مرشح ضمن 4 فرق هي الرجاء والأهلي والوداد للفوز بلقب دوري الأبطال، وياله من مجد عظيم يقود إلى بطولة كأس العالم للأندية، وإلى السوبر الأفريقي مرة أخرى.. كارتيرون ترك المجد من أجل رهان وحيد هو حفنة الدولارات.. وما هكذا يكتب المدربون الكبار سيرتهم الذاتية!

وبعيدًا عن التلاسن الحادث بين رئيسي الزمالك والتعاون السعودي، وبعيدًا عن المناحة التي نصبها محبو ومشجعو الزمالك بسبب رحيل المدرب، وبعيدًا عن شماتة المنافسين في حق الزمالك، وبعيدًا عن إقحام اسم المستشار الملكي تركي آل الشيخ في الأمر بوصفه الرئيس الفخري للنادي السعودي.. فإنني أندهش مما يثار بأن مرتضى منصور طلب من اتحاد الكرة المصري شطب باتريس كارتيرون، ومنعه من التدريب مستقبلاً في مصر، لأن مرتضى نفسه فعل ذلك من قبل حين أغرى مدربين بدفع قيمة الشرط الجزائي وأتى بهم لتدريب الفريق، وها هو الآن يبدأ التفاوض مع مدربين هربوا في السابق من ميت عقبة!

الخلاصة أن هروب اللاعبين والمدربين من الملاعب المصرية أمر ليس جديدًا علينا، وسيظل مستمرًا، بعد أن شهدته فرق كثيرة في الدوري المصري، على رأسها الزمالك والأهلي والإسماعيلي والمصري وبتروجيت وسموحة.

كما ستبقى الحكاية خاضعة للعرض والطلب، خاصة أن فكرة الشرط الجزائي التي يظنها البعض معرقلة وتحمي الأندية من هروب اللاعبين والمدربين أصبحت الآن الجزء الأسهل في الموضوع.

اقرأ أيضا:

الوسوم
مواد ذات صلة
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق